ازوغ حسن

المتتبع لما يسمى الثورة المصرية منذ البداية يحس أنها لا تتسم بطعم الثورات بقدر ما هي تمثيلية تافهة من تمثيليات إخواننا المصريين الذين يتقنون هذا الفن. فقد خرج الشعب المصري متظاهرا لإسقاط النظام متأثرا في ذلك بالنجاح الظاهري و الشكلي للثورة التونسية بعد أن كانت دوافع خروجه و مطالبه اجتماعية صرفة. ليعلن بين عشية و ضحاها نجاح الثورة دون قطرة دم -بمقياس الثورات طبعا-.

 المتتبع للتاريخ الحديث لمصر يدرك أن الحكم فيها كان دائما حكما عسكريا منذ انقلاب الضباط الأحرار و تأسيس عهد جمال عبد الناصر.. على هذا الأساس وجب التساؤل عن حقيقة مزاعم سقوط النظام؟ هل سقط النظام المصري في يوم من أيام الثورة؟ الجواب قطعا لا. فحتى في عز ما يسمى بثورة 25 كان العسكر هو صاحب السلطة الأسمى في الدولة و كانت قراراته تأخذ بجدية أكبر من قرارات رئيس الدولة الذي انتخب ديمقراطيا في خضم هذه الجعجعة. لقد حاول الجيش استغلال مخاوف الشعب في مواجهة حقيقية مع النظام ترجمها بنجاح إلى تقمص دور المنقذ و راعي الثورة. و صدق المصريون ذلك ليس قصورا في إدراكهم و لكن خوفا من تأدية الثمن الحقيقي للثورة.. فاتفق الطرفان ضمنيا على أنصاف حلول تحفظ للشعب ماء وجهه و توهمه انه “سليل الفراعنة” الذي قاد الثورة المزعومة في أرض “أم الدنيا”  بنجاح، من جهة، و تحفظ للنظام العسكري بقاءه في السلطة معززا بالعرفان الشعبي  من جهة أخرى.

لكن بعد تربع مرسي على كرسي الرئاسة المصرية بدأ في ممارسة دوره كرئيس للبلاد و لأن الرئيس المنتخب شرعيا صدق فعلا أنه يملك صلاحيات رئيس الدولة كان من البديهي أن تطفو إلى السطح قلاقل حدود مناطق النفوذ. فتارة يصطدم بالنظام القديم-المتجدد  في هيئة القضاء و تارة أخرى في هيئة العسكر و تارة أخرى في هيئة المعارضة الشعبية…

العجيب أيضا أن المصريين عبر كل حلقات مسلسلهم الثوري ظلوا يمتدحون العسكر تارة و يتغنون بالقضاء المصري المحايد و النزيه تارة أخرى حتى أصبحنا نتساءل أين كانت هذه المؤسسات في عهد مبارك؟؟ و كيف أمكن لمبارك ان يستعبد هذا الشعب و يفقره بوجود كل هذه الأجهزة القوية و المواطنة؟ و لماذا ثار المصريون أصلا و بين ظهرانيهم كل هذا السند؟؟

اليوم  بعد أن اطمأن النظام إلى كون السياق الإقليمي لم يعد مرجا خصبا يغذي الربيع العربي بعد رياح الشركي التي يطلقها يوميا بشار الأسد و حزب الشيطان بسوريا، و بعد أن ألبس صناديق الإقتراع صفة الإستبداد و اشترى صفة الديمقراطية لانقلابه العسكري من الدبلوماسية الأمريكية أم الدنيا الفعلية، و صفة الشعبية من قنوات  بناتها بالتبني في منطقة الخليج، اختار أن يوقف هذه التمثيلية البئيسة قبل ان يتقوى عود المؤسسة الرئاسية الجديدة و تتشكل لوبياتها الحامية اقتصاديا و إعلاميا و دبلوماسيا.. فأعلن انقلابه العسكري الذي لا تبرره ديمقراطيا كل أخطاء الرئيس مرسي… و عاد إخواننا المصريين الذين يحبون الإحتفال لإطلاق زغاريدهم مرة أخرى و التغني ببطولاتهم الوهمية التي اعتادوا تأليف مسلسلات “رأفت الهجان” على أطلال طواحينها الدونكشوتية. و التغني  بنصر لم يحققوه و بنظام ليس لهم يد لا طويلة و لا قصيرة في بقائه أو إسقاطه.. فهنيئا لإخوتنا المصريين بأنصاف ثوراتهم التي يجدون فيها العزاء لذرف دموع الفرح – يا نينا-. و هنيئا للنظام المصري الذي عرف كيف يستعيد دفة السفينة و في يده صكوك الغفران و شهادة ميلاد جديدة. و كل عام و ثوراتنا بألف خير.