ميدلت: نبش في الذاكرة و الوجدان

آخر تحديث :
ميدلت: نبش في الذاكرة و الوجدان

ميدلت: نبش في الذاكرة و الوجدان

بقلم / محمد بوبيزة

 

إن التشبع بملكة الحداثة لا يشترط بالضرورة التخلي عن ملكة التاريخ. لكن لاينبغي إن تعني هذه الجدلية أبدا إن الحداثة هي بعث للتراث و إحياء للتاريخ فقط.، و إنما تعني تحرير التراث للتفرغ بثقة في بناء الحاضر و المستقبل .فلا انطلاقة جديدة بدون تعزيل للتراكمات.

قبل دخول الحماية الفرنسية الى ميدلت (أوظاظ)، كان أهالي المنطقة يحتكمون الى أعراف قبلية غير مكتوبة و لكنها كانت راسخة في السلوك المجتمعي و محط تقدير و  احترام الجميع. وبهدف اختراق القبائل ولزرع الفتنة والتفرقة سن المستعمر الفرنسي قوانين جديدة تراعي مصالحه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية فانتهج سياسة "فرق تسود" وذلك بتعيين قياد  منحهم جميع الصلاحيات وأمدهم بالسلطة والحماية والنفوذ مقابل ولائهم المطلق لفرنسا وانخراطهم اللا مشروط في خدمة الأجندة الاستعمارية، فداس هؤلاء الخونة على جميع الأعراف القبلية ، فاستبعدوا الأهالي وسلبوهم أراضيهم، فكان همهم مراكمة الثروات والاستحواذ على الأراضي ،فتشكلت طبقة إقطاعية (فيودالية) بالبوادي وبرزت طبقة بورجوازية محلية بالمدينة حيث وظفت أموال الريع الاستعماري في المقاولات والعقار.

ولرد الجميل لفرنسا، عمل هؤلاء الخونة على إرغام الأهالي على خوض الحرب تحت راية فرنسا بهدف فرض الحماية

والطاعة على القبائل التي رفضت الاستسلام ومنها قبائل أيت يحي و أيت اعمر ننفكو وقد مات عدد كبير من الأهالي بسبب و عورة المسالك الجبلية والظروف المناخية القاسية و شراسة مقاومة القبائل الرافضة للحماية الفرنسية.

ودرءا لكل الأخطار التي قد تصيب الجندي الفرنسي في المواجهات العسكرية مع الأهالي المتوحشين ، حشدت الإدارة الفرنسية خليطا من شعوب مستعمراتها عبر العالم وأطلقت عليه (الفيلق الأجنبي)وهم عبارة عن رجال بلا أسماء وبلا تاريخ وهذه الهوية المجهولة تضمن لهم الإفلات من العقاب على الفظائع الأخلاقية التي ارتكبوها خلال  فترة خدمتهم العسكرية.

وأيضا في إطار الاختراق السلمي والهادئ للأهالي وهو الأسلوب الذي امن به الجنرال دوكول، جندت فرنسا شباب الأهالي فيما سمي بكتاتب الكوم، فاستغلت قوة هذا الشباب وحماسهم ومعرفتهم التامة بجغرافية المكان وبثقافة الأهالي لقمع كل التمردات والانتفاضات .كما قذفت فرنسا بهذه الكتيبة في حروبها الخاصة (في الهند الصينية وفي كورسيكا) فمن بين 7500 مقاتل مغربي رحلوا من اجل تحرير فرنسا وتمكنوامن هزم القوات الإيطالية و الألمانية في أكتوبر 1943فوق جزيرة كورسيكا هناك المئات من أبناء المنطقة فمن هؤلاء من زج به في حرب لم يكن يعرف لماذا يخوضها ومنهم من خاضها قسرا ومنهم من لبى نداء السلطان محمد الخامس الذي حث المغاربة على حمل السلاح لمساندة فرنسا التي تستعمر بلدهم المغرب.

ومهما يكن السبب فكل الذين شاركو في هذه الحروب ،خذلتهم فرنسا بمجرد تحررها ونسبت انتصاراتها إلى جنودها وأصبحوا أبطالا بلا مجد ولكنهم غفروا لفرنسا خطأها الجسيم بمجرد ما قلد الجنرال دوكول محمد الخامس بوسام رفيع  وسمت فرنسا سلطانهم الذي ظهر بالقمر برفيق التحرير والمفارقة المدروسة .

أنه في الوقت الذي كانت المناجم تقذف يوميا بٱطنان الرصاص التي كانت تصدر عبر الموانئ لتغذي المصانع  والمعامل الفرنسية كانت الطاقات البشرية المحلية تهدر في الحروب تحت الراية الفرنسية وتموت بصمت رهيب بسبب السيلكوز. ونتيجة لوصفة الجنيرال دوكول التي راهنت على الغزو السلمي  والاختراق  الهادئ للأهالي تم نشر القيم السلبية للحضارة الغريبة فظهرت؛الدعارة بكل تجلياتها وتم ابتلاء عدد كبير بالتدخين والسكر العلني، وظهرت طبقة متفرنسة تتباهى بلغة موليير وتدافع بشراسة على ثقافة فرنسا (الأنوار).

ولكن ومع الأسف الشديد فبعد الاستقلال أعاد المسؤولون الجدد إنتاج ما في ذمة هذا التاريخ من صفات سوداء فلا أصالتنا بقيت على حالها النقي الصافي ولا نحن التحقنا بركاب الحداثة الحقيقية

الاخبار العاجلة