خادمات البيوت في ميدلت بين مطرقة المشغل و سندان العوز .( روبورطاج)

آخر تحديث :
خادمات البيوت في ميدلت بين مطرقة المشغل و سندان العوز .( روبورطاج)

خادمات البيوت في ميدلت بين مطرقة المشغل و سندان العوز .( روبورطاج)

 

ميدلت بريس / رحيل

ميدلت كغيرها من المدن المغربية، سكانها طبقات متفاوتة – فقراء ذووا دخل محدود،موظفون،عائلات متوسطة ، وأخرى غنية- إلا أن أغلب العائلات الغنية في الإقليم تبقى عائلات عريقة وشعبية لا تؤمن بمظاهر ولا بروتوكولات ، كما نجد بيوتا كبيرة لاستغني عن وجود خادمة أو أكثر تساعد في الأشغال المنزلية أو في الضيعات ، فوجود الخادمة ضروري في هذه العائلات لتعدد الأفراد والقيام بالولائم باستمرار للضيوف .

إلا أن أسر أخرى لا تستغني عن وجود خادمة وهي أسر يكون فيها الأبناء بعيدون عن الوالدين لمهامهم مما يضطرهم إلى إيجاد من تقوم على شؤون منزل العائلة وتلبي رغبات الوالدين خصوصا إدا كانا مسنين، دون أن ننسى عائلات أخرى يكون فيها الزوجان موظفين مما يتعذر عليهما الاعتناء بالأطفال والاهتمام بشؤون المنزل والمطبخ مما يحتم وجود خادمة ،إلا أن السؤال المطروح هو ما دور الخادمة في المنزل؟وكيف تتم معاملتها ؟وأجرتها ؟أو بمعنى اصح هل لها حقوق ؟ لاسيما إذا تقدمت في السن وكان عملها في هذا المنزل أو داك لمدة طويلة؟.

وقبل الجواب عن هاته الأسئلة يتبادر إلى الدهن سؤال مهم عن الدوافع وراء لجوء عدد من النساء إلى الخدمة في البيوت؟ فأمينة الشاحبة اللون ،الحزينة دوما والتي لا تتجاوز أربعين من عمرها ،إلا أن من ينظر إليها يعتقد لأول وهلة أن سنها يفوق الخمسين ،تحكي لنا بمرارة عن سبب دخولها إلى عالم الخدمة في البيوت وهي تقول :

تزوجت وأنا في السادسة عشر من عمري، كان زوجي يعمل في البناء وعشت معه في بيت عائلته في سعادة، أنجبت منه طفلين، راضية بالمكتوب، كما أن والداه وإخوته يعاملوني معاملة حسنة. وشاءت الأقدار و توفت والدته ،فتزوج الأب ثانية كما أن إخوته تزوجوا واستقلوا وتمر السنين في هدوء ليصاب زوجي بمرض خبيث ويموت لأبقى أرملة. ورغم دلك كان والده يعتني بطفلي إلا انه مات هو الأخر لأجد نفسي وحيدة لان زوجته لم تعد تطيق وجودي معها في البيت مما دفعني بالعودة إلى منزل عائلتي وأنا احمل طفلي، فأصبحت مرغمة على الخروج إلى العمل بعرق جبيني حتى أساعد أبي في المصاريف خصوصا وان عائلتي بسيطة ،وتضحك أمينة وأنا اسألها عن أول يوم تشتغل فيه، أو بطريقة أخرى أول عائلة تشتغل لديها لتجيبني:

 إن دلك اليوم لا ينسى فقد كان كل ما تبقى لديها من نقود ادخرتها مما جاد به بعض المحسنون إبان وفاة زوجها هو عشرة دراهم. ذهبت إلى السوق لتشتري خضرا وهي تتجاذب الحديث مع البائع عله يخفض لها في ثمن الخضراوات نظرا لظروفها الصعبة، اقترح عليها العمل لدى عائلة عريقة سبق لابنته أن كانت تشتغل لديها ،إلا أنها تزوجت مؤخرا,مما جعلني أتحمس لاقتراحه تقول أمينة وهو يضرب لي موعدا لمرافقتي إلى دلك البيت وقاطعتها مجددا ومادا حدث بعدها؟فضحكت بسخرية لتسترسل في حديثها قائلتا:ذهبنا معا لتستقبلنا ربة البيت وهي امرأة في الخمسين يبدو عليها عز وثراء لتطلب مني الدخول إلى المطبخ "الكوزينة" وابدأ العمل على الفور وتسكت قليلا…  وتقول صحيح أن البيت كبير والأكل متوفر إلا أن الأشغال شاقة والأعمال لا تنتهي حيث أكون مرغمة على الحضور على الساعة السابعة صباحا و الذهاب إلى بيتي في السابعة مساء…وبعد تنهيدة عميقة  سألتها عن الأجرة، أجابت في حسرة ومرارة… لا تتجاوز  ثلاثمائة درهم . لم اصدق ما قالت أمينة التي أذرفت دمعة حارة وهي تحكي لي عن مدى معاناتها في هدا العمل من كنس ومسح وغسيل..لا سيما في الأيام الباردة كما أن أفراد العائلة يتجاوزون العشرة وطلباتهم لا تنتهي وأمينة لم تتحمل هدا العمل الذي لم تتعود عليه وهي تتذكر زوجها البسيط الذي رغم فقره فقد كانت تعيش في كنفه في حمايته بكل احترام .

وأشفقت على أمينة الأرملة البسيطة وهي تتقلب في خدمة البيوت من بيت لأخر لتجد نفسها آخر المطاف وسط عائلة محترمة تعاملها كإبنة لها حيث أن رب الأسرة من عمال المهجر ،علمته الغربة كيفية التعامل مع الأخر واحترامه فقد خصص لها أجرة شهرية تتعدى ثمانمائة درهم كما أن لها يوما في الأسبوع راحة إضافة إلى نوعية عملها فهي تساعد فقط ربة البيت في الأعمال ولا تقوم بها بمفردها وإضافة إلى الدخل الشهري المخصص لها فهي  تحصل على مبالغ إضافية في كل مناسبة أو عيد .

حكاية رابحة تختلف عن حكاية أمينة، وان كانت هي الأخرى أرملة وأم لطفلة أرغمتها الظروف على العمل في البيوت لسد القوت غير أنها متشددة ولا تقبل أن تكون أجرتها الشهرية اقل من ألف درهم ،كما أنها لا تطيق العمل في بيوت بها أطفال لكون الأطفال بالنسبة لها عالم أخر ومشاكل أخرى، فهي تفضل العمل في بيوت العزاب ، وهنا قاطعتها ألا تخافين من تحرش أحد هؤلاء العزاب ؟ لتجيبني ضاحكة لا يهم التحرش مادام الأجر مرتفعا ولم أجرؤ على استفسارها عما تقصده فما يهمها في الأمر جمع المال لشراء بيت يضمها هي وابنتها على حد قولها .

لكن ما يحز في النفس وجود نوع أخر من النساء سواء مطلقات أو أرامل في ريعان الشباب أو متقدمات في السن، يعشن واقعا مريرا وظروفا صعبة تدفعهن إلى مزاولة نوع أخر من العمل لان خدمة البيوت تبدو صعبة بالنسبة إليهن ليصبحن ما بين ليلة وضحاها عاملات نظافة في الشوارع أو بتعبير آخر" شطابات" تحت لواء الإنعاش الوطني. نساء مكافحات اغلبهن لا يجرؤن على الكشف عن هويتهن بل يكتفين بوضع لثام لأن هده المهنة جديدة في الإقليم لكونها كانت تقتصر على الرجال فقط. وما نلاحظه في انتشار هده الظاهرة النسوية أي "شطابات" أن النساء اللواتي يقمن بها يؤدينها بكل إخلاص وتفان أفضل من الرجال غير أن المشكل المطروح هو انه رغم القيام بهذا العمل النبيل طبعا والشريف الذي يجعلنا نزداد احتراما وتقديرا لكل امرأة تبدل المستحيل من اجل توفير لقمة العيش سواء لأطفالها آو لعائلتها ، هو تماطل المسؤولين في دفع أجور هاته الفئة البائسة من النساء، التي تكون مضطرة للانتظار انتظار طويل حتى تصرف لها أجرتها وان كان الأمر يتعلق بالإنعاش الوطني نظرا لما يتخبط فيه من مشاكل .

 وحسب قول فاطمة وهي مطلقة تعول أربع أولاد وأم مريضة وأب مقعد، تقلبت هي الأخرى في بيوت كثيرة كان أخرها بيت رجل غني كان يعاملها بكل احترام ويحاول مساعدتها بقدر المستطاع من مال ولباس لأبنائها وضروريات من دقيق وزيت وسكر وشاي شهريا، غير أن زوجته صرخت في وجهه ذات يوم لتخرج فاطمة من دلك البيت دون رجعة ،لتجد نفسها ضمن فريق عاملات النظافة إلا أن عملها هذا الذي أصبح دون اجر لتنتظر وتنتظر لتصبح ثانية عاملة نظافة في إحدى الإدارات دون أجرة طبعا، حيث يطلب منها المسؤولون ومن زميلاتها أجلا  كي تسوى وضعيتهن كعاملات نظافة في الإدارات دون جدوى.

حكاية أخرى تثير الشفقة والأمر يتعلق بأمي خدوج ، امرأة مسنة أرغمتها الحياة على العمل رغم سنها لكونها وحيدة لا معيل لها ،لتفني شبابها في خدمة بيوت كثيرة لينخر المرض جسمها وتعجز عن القيام بما يطلب منها من كنس ومسح وطبخ. فنظرها أصبح ضعيفا ورجلاها لا تتحملان الصعود والنزول في السلالم لتستغني عنها تلك العائلة وعن خدماتها دون تعويض وتجد نفسها مرغمة على الخروج للعمل "كشطابة" أملة في الحصول على أجرة تساعدها في شراء أدوية أصبحت تلازمها كالظل.  حكايات مختلفة لفئات من نساء من مختلف الأعمار فالضاوية هي الأخرى لا تتجاوز الخامسة والعشرين عازبة وذات مستوى ثقافي متوسط أرغمتها ظروف الفقر إلى الانقطاع عن الدراسة لمساعدة العائلة حيث تقوم بأشغال متعددة إذ عانت هي الأخرى من خدمة البيوت فقد أكدت لي أنها اشتغلت في بيت كبير باجرة لا تتعدى خمسمائة درهم وكانت تقوم بكل شيء في هذا المنزل العريض بصبر،و هي تعاني في صمت غير أن ما أثار سخطها هو استغلال ربة البيت لها حيث تطلب منها كلما أنهت عملها الالتحاق ببيت ابنة ربة المنزل المتزوجة كي تقوم بالأشغال المنزلية هناك أيضا مما جعلها لا تطيق البقاء وتخرج بحثا عن عمل أخر وبعد لحظة من الصمت تجرأت لتعترف لي أن عملها في البيوت لا يغطي نفقاتها ولا يسد حاجيات أسرتها الكثيرة ، فإخوتها عاطلون وأبوها مسن وأمها مريضة مما يضطرها إلى العمل في بيوت عزاب يوما في الأسبوع، تقوم بكنس وتصبين بأجرة مغرية كما أن أغلب هؤلاء العزاب يرغبون دوما في قضاء لحظات حميمية معها ،مما يجعلها توافق على إشباع رغباتهم الجنسية لكونهم يغرونها بالمال.

 نماذج كثيرة من نساء أجبرتهن ظروف العيش وسط واقع مرير الخروج بحثا عن عمل شريف وأخريات يستسلمن لرغبات رجال لا يهمهم شيء سوى إشباع نزواتهم واستغلال أجساد نساء ضعيفات في حاجة إلى مال لإعالة أنفسهن ودويهن ، تحية إكبار لكل النساء العاملات بشرف وسط  زمن مليئ بمغريات و حاجيات أثقلت كاهل الميسور قبل المحتاج تحية لكل أرملة و أم و عازبة تحية لكل أنثى تصارع الزمن للبقاء للعيش رغم الظروف.

وهكذا يبقى السؤال الببغائي المطروح :ألا تحتاج هده الفئة من النساء إلى قانون، نقابة، حماية، مساعدة،حقوق  ؟

الاخبار العاجلة