ظاهرة التسول ، توسل بين الجهاد والالحاد.

آخر تحديث :
ظاهرة التسول ، توسل بين الجهاد والالحاد.

ظاهرة التسول ، توسل بين الجهاد والالحاد.

ميدلت بريس ـــ ذكرى .

المصيبة إذا عمت هانت ،مثل مألوف متعارف عليه ، فاقة وفقر وحاجة تزيد توغلا داخل مجتمعات مختلفة لم تعد تقتصر على بعضها فقط نظرا لظروف طبيعية واقتصادية أثرت عليها أزمات سياسية من حروب واضطهادات وانقلابات عكستها تناقضات الأنظمة المتقلبة وغير الثابتة ، أصبح ضحيتها المواطن وربما الوطن أيضا،لتنتشر البطالة بشكل سريع وخطير لتتربع أزمة البؤس عرش الصراع ، سواء الداخلي أو الخارجي بشكل مثير للاستغراب دون ميزان ولا تكافئ واضح ، مما يشكك في القدرات ويثقل كفة المحتاجين حتى وان كانوا غير محتاجين،فلم يعد هناك إملاق لسد الرمق فقط أو انتظار صدقة لضرورة قصوى في إسكات جوع وضمان قوت يومي،  بل تطور الأمر ليصبح ظاهرة عامة ليست حكرا على فئة معينة ولا تخضع لمقاييس سن أو جنس أو مركز أو غيره ، لتنتشر كفيروس داخل هيكلة المجتمع تنخر في عظامه ،لا تفرق بين كبير ولا صغير ولا غني ولا فقير .

 فالتسول درجات وامتيازات ، وجوه مألوفة مرسوم على معالمها أثار  يأس وعوز، تمد يدها في تردد ونظرات خجولة تتوسل إليك بما جادت به يدك،لتجد نفسك مشفقا يرق قلبك لحال أرملة أو مطلقة مرفوقة بأطفال أو رضيع و أثواب رثة ، تدفعك لمحاولة زرع بسمة ولو مؤقتة في وسط تحيط به نيران أسعار عرض يفوق الطلب، وطموح في كماليات تنسيك أحيانا التفكير في الضروريات .

عائشة موظفة تبقى حائرة أمام وضع لم تجد له تفسيرا قائلة :"ربما اعتدنا فعلا على هذه الوجوه البئيسة التي تعترض طريقنا يوميا راغبة في صدقة روتينية تتجلى في بعض الدريهمات لشراء خبز لكن ما يزعجني ظهور أطفال بكثرة يعترضون سبيلي فهناك من يريد ثمن حليب أو دواء أو ثمن كتاب مدرسي مما يستفزني فارتاب في أمرهم، فاغلبهم يدخنون أو مدمنوا مخدرات.

احمد هو الأخر يقف حائرا وهو يقول : نساء مشردات مسنات ورجال مسنون متعبون أحيانا ، لا تقتصر جهودهم على طلب صدقة بعيون باكية و إنما ينقبون في القمامة ككلاب ضالة أو قطط ، وهذا ما يحز في نفسي رغم وجود دور مسنين ومراكز أيتام. إلا أننا نشاهد حالات مختلفة من أطفال شوارع مكانهم الحقيقي في مقاعد الدراسة يهرعون نحوك يستعطفونك ويتوسلون ويتضرعون ، لكن فاطمة لها رأي أخر في الموضوع، وهي امرأة عاملة مكافحة تستغرب وجود نساء متسولات قويات البنية يفضلن مهنة التسول على أن يشمرن على ذراعهن للعمل في معامل أو بيوت بدلا من ملاحقة الناس والاستعطاف ، وما يزيد الطين بلة فئة من متسولين ومتسولات يتعمدون استفزاز الناس والإلحاح في الطلب حتى يجد الشخص نفسه مرغما على التلبية وان لم يكن معه مال.

منير الشاب الحيوي الرياضي ينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى حيث يفسر الأمر قائلا:المتسول أو المتسولة ظاهرة مألوفة حقا عندما يتعلق الأمر بالفقر والاحتياج لكن ما نلاحظه حاليا أن الأمر يتطور ليشمل فئات أخرى ليست محتاجة وربما لها موارد، إذ نجد أحيانا رجالا مسنين يتسولون رغم أن لهم بيوت وأولاد.. لنتساءل عن السبب في احترافهم لمهنة التسول؟

نساء أيضا أمهات رغم ثيابهم النظيفة وعلامات النعمة تبدو على وجوههم إلا أنهم يصرون على الاعتماد على الغير، فنجد أن البعض منهم يكسب مبالغ مهمة يوميا ربما لن يحلم بها لو قام باحتراف مهنة أخرى تتطلب جهدا حتى وان كان فعلا يستطيع ذلك ، منيا هي أيضا تؤكد عدم احترام بعض المتسولين للإدارات العمومية حيث يدخلون المكاتب ولا احد طبعا يشك في كونهم متسولون إذ يحرصون على ارتداء ملابس نظيفة توحي للآخرين بأنهم مواطنون عاديون يدخلون لقضاء مصلحة ، إلا أن حقيقة الأمر تتجلى عند دخول مكتب ما للقيام بدورهم كأنهم يمثلون مسرحية عوز وفاقة تعتمد في غالب الأمر على أسطورة المرض، والقيام بعملية جراحية تتطلب أموالا باهظة سواء لهم شخصيا أو لأحد الأقرباء وهناك من يتأثر فعلا بالأمر ويجود عليهم وآخرون يعتذرون .

فدوى وهي طالبة تبتسم وهي تتحدث عن فتاة تعترض سبيلها دوما مما دفعها إلى التبرع لها ببعض ثيابها لكونها تقاربها سنا لتفاجئ بها ذات يوم تقوم ببيع تلك الملابس فغضبت كثيرا لان الفتاة اعتادت على التحايل على الفتيات لتستدر عطفهن ويجدن عليها بثياب جميلة تعيد بيعها للآخرين..

 حكايات كثيرة متناقضة في عالم تسول غريب أضافت له التكنولوجيا صبغات حديثة تطرق إليها بعض المدمنين على عالم الانترنيت حيث يضطرون لتسول تعبئات أو ثمن الدخول إلى " السيبر" سواء بحثا عن عمل أو علاقات عاطفية تنقذهم من فراغ الوحدة  والبطالة بالنسبة للشاب أو الشابة الذين يجدون املأ في هذا العالم الافتراضي لحل مشاكلهم المادية . إذ لم يعد المشكل يقتصر على جلوس في مقاهي وتدخين وشرب قهوة وقراءة جرائد ، كما يقول فؤاد وهو نادل في مقهى الذي يتغاضى النظر أحيانا عن شباب عاطل لا تسمح له الظروف بأداء ثمن فنجان قهوة صباحا ومساء وليلا في المقهى، إذ يلاحظ أن بعضهم يكون مجبرا على التسول من آخرين موظفين ليدفعوا الفاتورة أو يتوسل إلى النادل بإعفائه لتبقى ظاهرة التسول مرتبطة بالتوسل إلى الأخر.

منيا وهي مدرسة تستغرب بدورها مضايقات متسولين من طينة أخرى يعني ليسوا مغاربة بل أجانب سواء النازحين من جنوب إفريقيا أو حتى السوريين الذين أصبحوا يعترضون طريق المارة وهم يحكون عن ظروفهم المزرية معززين مواقفهم بصور وجواز سفر وأحيانا أوراقا طبية تثبت إصابتهم بالأمراض وحاجتهم إلى العلاج ، مما يتفاقم معه الأمر لاسيما عندما يكونوا مرفوقين بأطفال في حالة يرثى لها مما يثير حالة من الهلع والخوف من عمليات سرقة أو اعتداءات في حالة الاعتذار، لان هناك من يلح في الحصول على المساعدة وهذا يشكل خطرا على المواطن.

لتبقى الأسئلة متراكمة عن أسباب هذه الظاهرة ولم أصبحت في تزايد مستمر ؟ وما هي الحلول للحد من انتشارها ؟خصوصا إذا اكتشفنا أن بعض المتسولين لهم حسابات بنكية وأملاك عقارية وآخرون فعلا لا يجدون ما يسدون به رمقهم ويسكنون في بيوت من صفيح ؟

 

الاخبار العاجلة