فضيحة … الدراسة في الإسطبل..وشهرا واحدا في العام

آخر تحديث :
فضيحة … الدراسة في الإسطبل..وشهرا واحدا في العام

فضيحة … الدراسة في الإسطبل..وشهرا واحدا في العام

ميدلت بريس : عن أخبار اليوم  عدد 1466.

رصد تقرير صحفي أنجزته جريدة أخبار اليوم عدد 1466 بمناطق منسية بعمالة ميدلت عدة إختلالات ،طالت مجالات مرتبطة بالمعيش اليومي للسكان. التقرير صادم ويشكك في عدم تنفيذ المنجزات التي دشنها ملك البلاد بهذه الربوع.

التقرير غني بالمعطيات والوقائع والتصريحات تميط اللثام عن المغرب العميق المنسي خلف جبال الاطلس.

هل تغير شيء بهذه المناطق في مجالات ـ  التعليم، الصحة ،التجهيز،الثقافة ، الخدمات …..؟ لماذا لم يتغير؟ من المسؤول؟ أسئلة وأخرى تحاصرنا ونتلقى الاجابات عنها عبر قراءات ما خلف السطور…

في مكان ما خلف جبال شاهقة، وحدهم الشجعان يتحملون الوصول إليها، يوجد «تمزاغرت»، واحد من دواوير قبائل «أيت عبدي» التي تم شطرها إلى قسمين، قسم تابع لإقليم «تادلة أزيلال»، والثاني تابع لإقليم «ميدلت». نحن الآن فوق تراب هذا الأخير، لا ماء ولا كهرباء هنا، حرارة الشمس في الصيف تلهب الرؤوس، والبرد القارص شتاء يأكل المفاصل والعظام، وأطفال يتابعون دراستهم في العام شهرا واحدا في أحسن الأحوال.

بين أحضان حجرة مجموعة مدارس «أيت عبدي» الفرعية بدوار «تمزاغرت» توجد أربعة أقسام، ابتداءً من القسم الأول ابتدائي ووصولا إلى القسم الرابع من المستوى نفسه، باقي المراحل الابتدائية يعد «حلما غير مشروع» للأطفال هنا، أو كما قال فقيه الدوار «الخامس والسادس ابتدائي راه كينين هنا غير بالسمية»، فما بالكم بالأقسام الإعدادية والثانوية. حجرة صغيرة تضم قليلا من الطاولات المهترئة، الوصول إليها بالنسبة إلى التلاميذ البعدين عن مركز الدوار، يتطلب أربع ساعات مشيا على الأقدام، وإن هم وصلوا في الوقت يكدسون داخل بناية صغيرة يعتليها ثقب في السقف. لا سور يحمي أطفالها من المنعرج الخطير المقابل لبابها، ولا نوافذ مصممة بالطريقة الصحيحة لرد لسعات البرد القارص. حساين سخماني، من مواليد سنة 1955، متزوج وأب لأربعة أطفال، يعمل منذ 20 سنة عونا وحارسا وطباخا للمدرسة، بأجر لا يتجاوز 37 درهما في سنة ! يقول في شهادته لـ»أخبار اليوم» عن واقع التمدرس بـ«تمزاغرت» إنه «كارثي ولا يلبي حاجيات الأطفال»، ولتشجيعهم على الدراسة، يقوم حساين بطهي طعام الغذاء لـ«المجليين» منهم خلف الجبال القريبة من الدوار، وجبات قوامها العدس والفاصوليا وعلب السردين، فيما يسد أطفال الدوار جوعهم بشكل شبه يومي بكسرة خبز محشوة بالفلفل الحار، أما حطب التدفئة فهو العملة الناذرة هنا، إذ لا يتوفر ما يكفي منه طيلة فصول الدراسة، ما يضطر التلاميذ لهجرة القسم باكرا بعد أن يمكثوا فيه شهرا واحدا في كل موسم دراسي.

وكشف حساين سخماني، أنه راسل كافة الجهات بخصوص وضعه ووضع مدرسة «تمزاغرت»، التي يعيد كل سنة ترميم أركانها بفعل تضررها من تهاطل الأمطار والثلوج، عملية يقوم بها من ماله الخاص، بل قال إنه راسل الديوان الملكي في الموضوع نفسه، لكنه لا يعلم هل وصلت مراسلته أم لا.

وفي مكان ما من الجهة الأخرى للإقليم، حيث توجد قرية «أيت مرزوك»، توجد مدرسة تعاند من يرمم دعائمها، إذ تم تشييد سورها أكثر من مرة، لكن ما إن تتساقط أولى قطرات أمطار فصل الخريف حتى يتهاوى. أمام الباب الأمامي للمدرسة كتب بالحبر الأخضر على ورق مقوى بني اللون: «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية/اسم المشروع بناء صور (سور) وقائي/حامل المشروع جمعية (ت.ن.إ) «. مشروع كلف حسب عون السلطة المحلية بالدوار 15 مليون سنتيم، وحسب شهادات أبناء «أيت مرزوك» فعملية البناء تكررت أزيد من مرتين.

لا يصل أزيد من 90 في المائة من أطفال «أبيت مرزوك» إلى الأقسام الدراسية الإعدادية، وفي تاريخ الدراسي للدوار بأكمله، استطاع 4 من أبنائه فقط، الوصول إلى الجامعة وهم من أبناء عائلة ميسورة تدعى «أيت بهو».

وإذا كان البعض يدفع بالموقع الجغرافي البعيد لكل من دوار «تمزاغرت» وقرية «أيت مرزوك» لتبرير الحالة التي توجد عليها حجرات مدرستيهما، فـ« اليوم24» اختارت زيارة ثلاثة دواوير أخرى قريبة من الطريق، ولا تبعد عن مركز «إملشيل» سوى بضع كيلومترات. الدوار الأول «أمردو أوراغ»، ويبعد عن «إملشيل» ابتداء من مكان سوقه الأسبوعي بكيلومترين فقط، حيث يدرس التلاميذ داخل حجرة صغيرة اكترتها السلطات المحلية بـ700 درهم للموسم الدراسي، عبر معاينة أولى للحجرة، اتضح أنها لم تكن من قبل مكانا للسكن، بل كانت «كوري» يأوي البهائم والأبقار، ليتحول بقدرة قادر إلى فضاء ضيق يخنق الأطفال، بلا ماء ولا كهرباء، بعد أن ذهبت المدرسة الأساسية في خبر كان، بسبب الأمطار التي عرت الغش في بنائها حسب رواية أهل الدوار، أو بسبب فعل فاعل يقول آخرون، إذ تظهر المدرسة في حالة يرثى لها وكأن قصفا جويا بالقنابل شهده الدوار يوما.

نتجه صوب دوار آخر تابع بدوره لجماعة «إملشيل» وقريب من مركزها، دوار يعيش اليوم شبح تهديد واد غيّر مساره الطبيعي، وكان قدر مدرسته الابتدائية أن تكون في قلب تهديد سيوله. المدرسة وكما عاينت «أخبار اليوم» ذلك، تضم بداخلها مسكنا للأساتذة أشبه بمكب الأزبال، روائح كريهة تفوح من داخله، متلاشيات يقصدها الأطفال للعب بها وتشكل تهديدا على صحتهم، براز هنا وهناك. واحد من أبناء القرية المحظوظين باستكمال دراسته في الجامعة، عبر للجريدة عن سخطه تجاه ما تعانيه المدرسة، وتحسر على التفريط في ميزانيات ضخمة –إذا ما قرناها مع حاجيات «تغيغاشت»- رُصدت لإعادة تأهليها وترميمها، وهي اليوم تتآكل وتجود أسقفها على اللاجئين إليها خلال زيارتنا للدوار بقطرات المياه المتسربة من الشقوق، والمشكل ذاته كما هو حال باقي المدارس، الغش في البناء وعدم اعتماد تصميم معماري يراعي الظروف المناخية التي تعرفها المنطقة خاصة في فصل الشتاء.

المشاهد والحكاية نفسها تتكرر بين جدران مدرسة «تلمي»، وكأن التعليم ليس من شأن القيمين عليه في هذا الركن المنسي من المغرب، أطفال يترعرعون في القرن الواحد والعشرين داخل فضاءات توقف فيها  الزمن منذ عهد غابر.

الاخبار العاجلة