تصدع نظام الترقية ومحدودية المقاربة المعتمدة في تدبير الموارد البشرية.

آخر تحديث :
تصدع نظام الترقية ومحدودية المقاربة المعتمدة في تدبير الموارد البشرية.

 تصدع نظام الترقية ومحدودية المقاربة المعتمدة في تدبير الموارد البشرية.

بقلم – ومو محمد

تعتبر الترقية عاملا محفزا للموظف خصوصا وأنها مرتبطة بالجانب المالي الذي يعد معيارا لتحديد موقع الموظف ضمن الحلقات أو الدورات الإقتصادية للبلاد، بمعنى أنها قد تحدد قدرته الشرائية وموقعه الاجتماعي، وعلى أساس ذلك فإن طموح الموظف للتحول أو الإرتقاء من رتبة إلى أخرى ومن درجة إلى أخرى لصيق بهواجسه اليومية المرتبطة بالعمل الإداري وكيفيات أدائه، سواء بالنظر إلى طرق إنجاز أعماله الإدارية أو بالنسبة لعلاقته مع زملائه في العمل الإداري ومع رؤسائه التسلسليين .

 فترقية الموظف وإن كانت تنقله من وضعية إلى أخرى من الناحية القانونية، فإن الواقع العملي أثبث أن هذه العملية تشوبها العديد من الخروقات والمشاكل خصوصا بالنسبة للموظفين الذي يشتغلون بنزاهة وكرامة ومروءة. وبالتالي فإن الترقية تخضع في عدة مناسبات إلى درجة تقرب الموظف من رئيسه ومدى خضوعه للثقافة الإدارية السائدة ولمجموع المسلكيات الأخلاقية التي تتميز بها بعض الإدارات المغربية .

من جهة أخرى، تدخل المشرع من أجل تحصين وضمان مساواة الموظفين في مختلف وضعياتهم للإستفادة من حقهم في الترقية بتنصيصه على نوع مهم من الحماية في ظل الحكامة والمقاربة التشاركية التي ينهجها وفق مضامين دستور 2011، ويتعلق الأمر بالحماية التي توفرها مؤسسة الوسيط كورش اخر من أوراش تعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات، فإحداث هذه المؤسسة يمثل بكل المقاييس قيمة مضافة لا يستهان بها لأنها تدعم المهام والوظائف التي يقوم بها جهاز القضاء، خاصة الإدارية منها، ويكمل الدور الذي يعود للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في إطار سلسلة تحقيق العدل والإنصاف وجبر الضرر ورفع المظالم التي يشكو منها الموظفون بسبب الاختلالات الإدارية ، وأن من مثل إحداث هذه الآلية التقليص من حالات التعسف والشطط والتجاوز في استعمال السلطة الصادرة عن بعض المسؤولين الإداريين .

هكذا أقر المشرع في تشريعاته الأساسية لقانون الوظيفة العمومية ترسانة من الضمانات القانونية للموظفين لمواجهة تعسف السلطة الإدارية،فكما تم وضع حقوق للموظف.يجب أن يصاحبها ضمانات من خلال حق التظلم من النقطة المحصل عليها أو المطالبة بإمكانية إعادة النظر في التقييم أمام اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء .

ولما كان قد اعترف للإدارة بسلطة تقديرية في ترقية الموظفين العموميين، فإن ممارسة هذه السلطة يجب أن تخضع لمجموعة من الضوابط حتى لا تكون قراراتها مشوبة بعيب الشطط في استعمال السلط، ولا شك أن عملية التوفيق هذه، هي التي خولت للقضاء في المنازعات الإدارية القدرة على إبتداع الكثير من النظريات القانونية واستنباط الكثير من الحلول التوفيقية بتأصيل أحكام القانون الإداري تأصيلا يربط بين شتاتها ربطا محكما متكيفا مع البيئة التي يوجد بها خاصة وأن القانون الإداري يختلف عن القوانين الأخرى، في أنه ما زال في مقتبل نشأته (…) وتبعا لذلك فإن رقابة القضاء في هذا المجال هي رقابة مشروعية لا راقبة ملائمة، بمعنى أن الإدارة مقيدة بأن تتصرف في حدود الضوابط التي تضعها السلطة التي تملكها تشريعية كانت أو تنفيذية، ولكنها في حدود هذه الضوابط تكون حرة التصرف إذا ما وضعت المصلحة العامة – كما تحددها إيديولوجية الدولة في اعتبارها – ورقابة القضاء تنصب أساسا على المجال الأول "المجال المقيد" دون المجال الآخر "المجال التقديري".

ويجب أن يوضع في الاعتبار من ناحية أخرى أن الرقابة على الاختصاص المقيد في إطار مبدأ المشروعية –أو سيادة القانون- ليس بالجمود الذي يوحي به ظاهره، بل إن المبدأ ذاته قد يسمح بالخروج عن القانون بالقدر الذي يستلزم تحقيق المصلحة العامة.

إن انخراط الموظفين في أهداف الإدارة واندماجهم الفعلي في مسلسل التغيير لمواقفهم وسلوكياتهم، تتوقف على المكانة الحقيقية التي يحتلها تدبير الموارد البشرية داخل الإدارة من لدن الجهات المتدخلة في صناعة قرار الترقية.

 لذلك كان من جملة التوصيات الصادرة عن لجان تخطيط الموارد البشرية: معرفة حاجات الإدارة ومتطلبات الموظفين بشكل أفضل، تحديث استراتيجية شاملة للتوظيف، إعطاء الأولوية لترقية الموظف على أساس الاستحقاق، إعتماد نظام أجور عادل ومتماسك، وضع تدابير ملموسة لتشجيع حركية الأطر وتوزيع أعداد الموظفين الفائضة، تثمين الرصيد البشري الحالي وتهيئ الخلف داخل الإدارات، تقييم مردودية المكلفين بالتدبير وإعداد تقارير بالنتائج التي حققوها.

وتتقيد السلطة الإدارية المتدخلة في صناعة قرار الترقية  في كل الأحوال، بمجموعة من القواعد والمبادئ القانونية الواجبة التطبيق سواء في مجال تعيين الموظفين وأعوان الإدارات العمومية أو عند تحضير قوائم الترقيات أو عندما تعتزم إنزال جزاء تأديبي على موظف من موظفيها.                                                                                                                     

أما عن محدودية المقاربة المعتمدة في تدبير الموارد البشريةفكثيرة هي الانتقادات الموجهة للادارة العمومية  ، فقد عرف النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على مدى خمسة عقود عدة تغيرات استهدفت تكييفه وملائمته مع التطورات والمستجدات التي تعرفها الإدارة العمومية، غير أنه وفي خضم النقاش العام الدائر حول تحديث الإدارة، والانتقادات الموجهة لهذه الأخيرة، فإن جانبا هاما من هذه الانتقادات تنصب على النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فهو يقدم كمصدر لكل ذلك التحجر وتلك النقائص اللذان يطبعان الإدارة، كما أنه في نظر منتقديه نظام عتيق وجامد ومطبوع بالشكلانية، ولا يساير التطورات الحديثة والمستجدة في مجال تدبير الموارد البشرية ، وبالتالي فهو يعرقل التدبير الديناميكي للموارد البشرية، ولا يتيح إعمال آليات تدبير الموارد البشرية  سنرى في هذا الإطار  سلطوية التدبير في الوظيفة العمومية في ( أولا) ثم أزمة التدبير التشاركي للموارد البشرية في

( ثانيا).

أولا: سلطوية التدبير في الوظيفة العمومية

إن المحيط الداخلي والخارجي للإدارة العمومية المغربية يكشف عن مستويات عدة للتباعد بين نظام الترقية ورهان تأسيس إدارة للتنمية بالرغم من تعدد المحاولات الإصلاحية، وذلك لوجود مجموعة من الحواجز التي تقف عائقا أمام تحقيق فعالية نظام الترقية والتي تتمثل في وجود نظام قانوني متقادم –رغم التحيينات "والرتوشات"- ذو بنية مغلقة تتعارض مع مفاهيم المرونة والشراكة والفعالية التي يدعوا إليها دستور 2011، زد على ذلك أن التنظيم الهيكلي يتسم بالتضخم والغموض وتداخل الاختصاصات، بالإضافة إلى سيادة أسلوب التسيير عبر الوسائل والمساطر القائم على منطق التعليمات والأوامر والسلطة التسلسلية، فوجود مثل هذه العوامل إن دل على شيء فإنما يدل على محدودية المقاربة المعتمدة في تدبير الموارد البشرية.

سنرى بهذا الخصوص:

1-  أزمة الثقة بين الرؤساء والمرؤوسين

2-   سيكولوجية الفرص المحدودة للترقي

1-   أزمة الثقة بين الرؤساء والمرؤوسين

إن طابع المفاضلة الذي يطبع عادة نظام الترقية بالوظيفة العمومية، والذي يقتضي إيصال المترشح الأجدر إلى الوظائف العمومية والتي تتناسب مع تجربتهم المهنية والثقافية، الا أن  الواقع يشير الى عكس ذلك تماما فغياب النزاهة وتفشي الرشوة والمحسوبية  خلق جو من عدم الثقة يسود العلاقات بين الرؤساء والمرؤوسين خصوصا إذا علمنا أن تقنيات الترقية والمفاضلة جعلها المشرع كلها في يد هؤلاء الرؤساء يتحكمون فيها وفق أهوائهم ومصالحهم الشخصية.

وبهذه العوامل تتضرر العلاقات الإنسانية بالوظيفة العمومية نتيجة الأخطاء التي يرتكبها الرؤساء في تقييم مرؤوسيهم، ولم يعد يولي الرؤساء للمرؤوسين أي قيمة للعمل المنجز من طرفهم مما أفرز نوع من عدم الرضى المتبادل بين الرئيس والمرؤوس، وغياب أية استشارة إلى كون الموظفين هم ركائز الإدارة ومصدر قوة بالنسبة لها لأن العنصر البشري هو وسيلة وغاية كل تحديث وتجديد من أجل الأفضل.

ومن خلال كل ما سبق واعتمادا على دراسة  قمنا بها يمكن القول أن الوضعية الراهنة داخل الإدارة المغربية عبارة عن تشنجات مستعصية عن الحل نتج عنها ازدراء الموظفين حيث أصبحوا ينظرون إلى الترقية على أنها مجرد إجراء إداري تارة وعامل مهم للحصول على الامتيازات فقط،

وتكشف إيجابات الموظفين أن كل هذه المشاكل تعود بالأساس إلى أن معيار الترقي يعتمد بالأساس على أسس شخصية أكثر منها موضوعية وتدخل في ذلك الاعتبارات السياسية والحزبية على حساب المصلحة العامة، فالنقط التي يمنحها الرؤساء للمرؤوسين يقوم على أساس ذاتي متحيز مما ينعكس سلبا على أداء الموظف ومردودية الإدارة في آن واحد وفي هذا الصدد يقول الفقيه « Grégorio »أن تنقيط عون عمومي معناه إبداء رأي شخصي فيه، ولهذا فإنه ليس من البعيد أن يكون هذا الرأي منطويا على جزء مهم من ذاتية المنقط.

ومن بين الأخطاء التي تعمق أزمة الثقة بين الرؤساء والمرؤوسين نورد ما يلي:

1 – التحيزأوالتفضيل الشخصي: ويقوم خلاله الرئيس بتنقيط الموظفين بشكل خاص عن طريق منح شخص نقطة عالية وحيدة دون بقية الموظفين في الإدارة والذي يمنحهم فقط أقل درجة.

2 – أخطاء الهالة: ويحدث هذا الخطأ عندما يبني الرئيس المخول حق التنقيط تقييمه العام لمرؤوسيه على أساس عنصر واحد من عناصر التقييم لوصفة واحدة من صفاته، مثال ذلك أن يمنح الرئيس لمرؤوس تقديرا عاليا في المردودية يمتد هذا التقدير إلى عنصر القدرة على التنظيم.

3  –  التأثر بآخر تقييم للموظف بمنح نقط متقاربة أو متساوية وآخر تقييم قام به الرئيس سواء كان التقييم الأخير جيدا أو سلبيا .

2 –   سكولوجية الفرص المحدودة للترقي

فضلا عن الإختلالات العمومية في تدبير الموارد البشرية الناجمة عن سوء تطبيق مقتضيات النظام الأساسي للوظيفة العمومية، فإن عددا هاما من المبادئ الأساسية التي أرساها هذا النظام والتي يمكن أن تشكل إطارا أساسيا وملائما لتدبير الموارد البشرية، لم يتم إعمالها واستغلالها بالشكل الكافي، وسنقتصر في هذا المجال على سكولوجية الفرص المحدودة للترقي والتي لا تستجيب لمتطلبات الفعالية والنجاعة، وهو ما يجعل الحاجة ماسة إلى مراجعة هذا النظام في أفق تجاوز النظرة السائدة في تدبير الموارد البشرية من أجل التأسيس لمنظومة جديدة للترقي تراعي من جهة الضمانات الأساسية من حيث احترام مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وقاعدة التباري النزيه وشروط الشفافية، ومن جهة أخرى تطور حاجيات الإدارة الحقيقية، مع ما يستلزمه ذلك من تقوية ودعم المهنية، بإضفاء الطابع المهني على الترقية واعتماد الأساليب الحديثة في هذا المجال.

فالمناصب المالية التي توضع رهن إشارة مختلف الوزارات من أجل التنافس بين موظفيها المتوفرين على الشروط الضرورية  جعلت الوظيفة العمومية تعاني من أزمة الفرص المحدودة لموظفين في الترقي والتوظيف، هكذا نجد عدد الراغبين في العمل أكثر من فرص العمل المتاحة، والراغبين في الترقية أكثر من حيث عددهم من فرص الفراغ المتاحة. وبناء على ذلك لا يمكن الربط بشكل آلي وأوتوماتيكي بين واقع تدبير الموارد البشرية وبين النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، إذ فضلا عن كون النظام الأساسي يحدد فقط المبادئ العامة، فإن مساوئ تدبير الموارد البشرية ترجع في جانب كبير منها إلى طبيعة الممارسات السائدة بالإدارة ولا تعود فقط إلى تهالك النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

إن غياب التدبير العددي للعناصر البشرية واستراتيجية مستقبلية تنبني على أساس تحقيق معادلة بين الاحتياجات والوسائل أو بمعنى آخر منهجية تقنية، يمكن الجزم بأنه من الصعب إدراكها بسهولة. غير أن هذه الصعوبة لا تمنع الإدارة من الاعتماد على خصوصيات المناصب وكذلك متقلدوها حتى تستطيع تحديد عناصرها البشرية التي هي في حاجة إليها، ومن تم إتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها، ومن بين هذه التدابير نذكر على سبيل المثال: تدعيم شبكة المعلوميات والعمل على تحقيق التواصل بين الإدارات العمومية وذلك بهدف معرفة عدد الأعوان العاملين في قطاع الوظيفة العمومية حاليا كمنطلق لتقييم الاحتياجات البشرية للإدارة في المستقبل القريب ، والبحث عن إمكانية توسيع قاعدة فرص الترقي وكذلك الوسائل المالية لتغطيتها.

لكن الملاحظ أنه بالرغم من الفرص المحدودة في الترقي بالوظيفة العمومية، فأغلب الموظفين لا يفضلوا ترك الوظيفة العمومية  لو أتيحت لهم الفرصة للعمل في مؤسسة أخرى في القطاع الخاص، حتى ولو كانت الإمتيازات وفرص الترقي بها أكثر من تلك الموجودة بالوظيفة العمومية " قليل ومداوم ولا كثير ومتروك" حسب شهادات البعض.

يتضح مدى تمسك الموظفين بالوظيفة العمومية بالرغم من الفرص المحدودة للترقي وذلك يعود إلى مجموعة من العوامل لعل أهمها الضمانات الموجودة بالقطاع العمومي والتي تفوق ضمانات القطاع الخاص، ثم كذلك الاستمرارية بالعمل في الوظيفة العمومية بالرغم من تدني المستوى الثقافي أو المهني عكس القطاع الخاص الذي يعتمد بشكل جوهري على الكفاءات بل الأكثر من ذلك يعتبر قطاع الوظيفة العمومية  في نظر مجمل الموظفين أريكة يستريح عليها دون حسيب ولا رقيب وحتى إن وجدت الرقابة فهي بمستويات أقل من تلك الموجودة في القطاع الخاص.

ثانيا : أزمة التدبير التشاركي للموارد البشرية

 إذا كان العضو البشري أحد المقومات الأساسية للتنمية، فإنه في نفس الوقت قد يكون أحد معوقاتها أو عراقيلها، ومن هنا تبرز أهمية تبني مقاربة تدبيرية تجعل من أهم مقاصدها جعل العنصر البشري موردا ومصدرا للتنمية بمختلف أشكالها.

إن نجاح أي إدارة في تحقيق أهدافها يتوقف على اختيار الموارد البشرية ومن تم تحتل مرحلة الاختيار أهمية كبيرة حيث يترتب على الاختيار السليم احتمالات أكبر للنجاح. الشيء الذي جعل المساطر المتبعة في اختيار الموارد البشرية تحظى بأهمية خاصة باعتبارها السبيل الذي تستطيع الإدارة من خلاله الحصول على ما تحتاجه من كفاءات وقدرات علمية متميزة.

سنرى :

E1-: المباريات المهنية

E 2- : غموض المهام وتداخل الاختصاصات.

1: المباريات المهنية

المباراة هي الطريقة الأولى والأسلوب العادي المتبع في معظم البلدان، حيث تعلن الإدارة عن حاجتها لشغل الوظائف الخالية ببعض إدارتها ومصالحها، ويتضمن الإعلان مواصفات الوظائف الخالية وشروط القبول فيها…

ونظرا لمبدأ المساواة التي تقوم عليه المباريات لولوج الوظائف العامة، فهي بذلك تعتبر من أكثر الأساليب ديمقراطية في مجال التوظيف، وتعد الأكثر استعمالا في أغلب الدول الحديثة.

وأمام تعذر إيجاد وسائل ناجعة ونزيهة يعتمد عليها في ترقية الموظف العمومي على أساس كفاءته وجدارته فقط  لتولي الوظيفة العمومية، فكرت السلطات العمومية في الخروج من هذا المأزق والإستفادة من وسائل أخرى نص عليها المشرع في هذا المجال. ويتعلق الأمر هنا، بتنظيم مباريات وامتحانات مهنية، والقيام بتمارين لإثبات الكفاءة، ومتابعة الدراسات العليا من أجل الحصول على شهادات تفتح أمام الموظف آفاق جديدة.

وهكذا، يجوز للموظف الترقي من درجة إلى أخرى بواسطة الامتحان المهني الذي يعتبر وسيلة من وسائل تحسين وضعيته الإدارية، إلا أنه يلاحظ عدم إقبال بعض الإدارات على تنظيم هذه الامتحانات بصفة دورية لفتح الفرصة أمام الموظفين المتوفرين على الشروط، خاصة إذا علمنا أن التجربة قد أظهرت أن عددا كبيرا من الموظفين الجادين والمخلصين في عملهم كثيرا ما يبقوا حبيسي شرط عدم توفرهم على شهادات جامعية للترقية إلى درجة أعلى، وأن تنظيم امتحان الأهلية المهنية لمن شأنه أن يمكن الإدارة أن تعمل على تحفيز هؤلاء الموظفين المحترفين لبذل المزيد من الجهود والمثابرة على العمل بدل الشعور بالإحباط حينما يرون موظفين أقل منهم  كفاءة ومقدرة ويتقاضون رواتب تفوق رواتبهم من ثلاث إلى خمس مرات.

ثم إن مواضيع الامتحانات المهنية يجب أن تعكس بالملموس مستوى الكفاءة المطلوبة في الموظف للترقية إلى الدرجة الأعلى، وليس مجرد اختبارات عادية – و مواعييد موسمية للقاء الاصدقاء وتمضية بعض الوقت – توجز لمن يجتازها بتفوق الترقية إلى الدرجة الأعلى.

لقد اتضح من خلال الدراسة  أن المباريات المهنية والامتحانات بقيت إجراءات شكلية ليس إلا، ومسرحيات بطلها الوازرة وجمهورها المتبارين والمستفيد الاكبر أصحاب الفنادق والطاكسيات و  والمطاعم على اختلاف اشكالها ،خاصة وأن مبدأ المباراة ورد على إطلاقيته أي دون أي تحديد لشكل هذه المباراة أو طريقتها أو كيفية إجراءها وهو ما ترك المجال واسعا للاجتهاد من أجل تطوير طرق تنظيم المباريات بالشكل الذي يناسب تطور مناهج التدبير الحديث للموارد البشرية.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنه وبالرغم من الانتقادات الموجهة إلى طرق تدبير المباريات بالإدارات العمومية، لا تزال هذه المباريات الى حدود الساعة ، مطبوعة بالطابع الأكاديمي والنظري وضعف المهنية ولا تساير التقنيات الحديثة للتوظيف. حيث أن نظام المباريات في شكله الحالي الذي يستند إلى المرسوم الملكي رقم 401.67 بتاريخ 1967 بسن نظام عام للمباريات والامتحانات الخاصة بولوج أسلاك ودرجات الإدارة العمومية لا يستجيب لمتطلبات الفعالية والنجاعة، وهو ما يجعل الحاجة ماسة إلى مراجعة هذا النظام في أفق تجاوز النظرة السائدة للمباريات كمجرد آلية شكلية لشغل المناصب الشاغرة، وكمساطر قانونية بحثة، بدل اعتبارها مرحلة أولى وجوهرية في تدبير الموارد البشرية، من أجل التأسيس لمنظومة جديدة للمباريات تراعي من جهة الضمانات الأساسية من حيث احترام مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وقاعدة التباري النزيه وشروط الشفافية،. ومن جهة أخرى تطور حاجيات الإدارة الحقيقية، مع ما يستلزمه ذلك من تقوية ودعم المهنية، بإضفاء الطابع المهني على مكونات المباراة، واعتماد الأساليب بهذا الخصوص.

هكذا لاحظنا من خلال تصريحات العينات المستجوبة مدى خيبة أمل الموظفين وفقدانهم الثقة في المباريات والامتحانات والتي تتم على أساس الانتماءات السياسية والحزبية مما خلق تطبيقا مشوها لنظام المباريات والامتحانات وتحوير الهدف النبيل والغاية من خلقها وهي الوصول إلى قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب.

ثم ان أزمة  ثقة الموظفين في المباريات المهنية بالرغم من تنظيمها المحكم،إلا أن تطبيقها تشوبه إختلالات وتشوهات تستدعي التدخل العاجل للحد من نزيف أزمة الثقة في المباريات المهنية التي أصبحت في نظر البعض مجرد  مسرحيات تخفي ورائها ممارسات مشينة.

3-  : غموض المهام وتداخل الاختصاصات

أمام غياب مقتضيات تحدد المهام التي يجب إسنادها لبعض فئات الموظفين داخل الإدارة العمومية فإنه لا يتم التمييز في الواقع العملي ما بين الوظائف التي يمكن أن تشغلها الأطر العليا والأطر المتوسطة والأعوان. كما لا يفرق داخل هذه الفئات بين الأطر التقنية والأطر الإدارية إذ غالبا ما تنقلب الأدوار على أرض الواقع وتنقلب الموازين، فنجد بعض الأطر العليا تشغل الوظائف التنفيذية، وبعض الأطر المتوسطة والأعوان وظائف التأطير والتوجيه والتنسيق… وهذا المثال وإن كان في جانب منه يدل على الخلل الحاصل نتيجة عدم تحديد مهام كل صنف من الموظفين، فإنه في الجانب الآخر يعكس صورة الواقع العملي والتي يتميز فيها العون والإطار المتوسط على الإطار العالي من حيث الكفاءة والقدرة على التواصل مع المحيط  والحضوة برضى الرؤساء المباشرين.

من جهة ثانية، وأما غياب التمييز بين مصالح الموظفين ومطالبهم  وكذلك غياب التحديد السليم لاحتياجات الإدارة من الموظفين والأعوان وعدم إستعمال وسائل وأساليب الاختيار العلمية لشغل الوظائف العمومية، فإن السلطات الإدارية العليا تقوم بتشغيل وتوزيع الموظفين والأعوان بين مختلف الوحدات والمصالح الإدارية دون مراعاة الحاجيات. حيث نجد أن بعض المصالح ذات العلاقة المباشرة بالعموم تعاني من نقص الموظفين، وفي نفس الوقت يلاحظ إكتظاظ الموظفين والأعوان في عدد محدود من الإدارات. وقد أدى هذا الوضع إلى وجود عدد من الظواهر التي تؤثر في كفاءة الأداء في الجهاز الإداري، نذكر من بين هذه الظواهر عدم رضى العديد من الموظفين والأعوان لموقعهم الوظيفي، وإنحطاط روحهم المعنوية ومردوديتهم لعدم توفرهم على أنشطة ومهام داخل الإدارة، أو لعدم تناسب العمل المسند إليهم مع استعداداتهم. ومثال ذلك الموظفون المرتبون في سلالم عليا يقومون بأعمال تنفيذية يمكن أن يقوم بها موظفون مرتبون في سلالم دنيا، ووجود الشخص الذي تتوفر فيه المواصفات المطلوبة بإدارة أو مصلحة أخرى لا تحتاج إلى هذه المواصفات، وبيان ذلك الموظفون المتوفرون على دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء أو الكيمياء أو الهندسة والذين يعملون بالعمالات أو الجماعات بدل العمل بالمؤسسات المختصة. 

إن معرفة الخلل وتشخيص مختلف العوائق التي تحول دون قيام العنصر البشري بالدور المنوط به يعتبر خطوة مهمة، بيد أن ثاني خطوة تتجلى في الإحاطة بمختلف هذه الظواهر وتحليلها الشيء الذي لن يتأتى إلا بامتلاك نظرة شمولية ترتكز على مختلف الأبعاد وتحيط بجل الإشكاليات، مما يقتضي الانفتاح على مناهج التدبير الحديثة. وعليه لابد من اعتماد آلية التدبير التوقعي للمناصب والكفاءات، وكذلك تحديد المسؤوليات والمهام بدقة وبشكل واضح  وذلك بتوفير المناخ السليم لها عن طريق تجاوز مختلف الصعوبات المحيطة بنظام الترقية.يقول  ليونارد دافنتشي :

"ne pas prévoir ،c’est déjà gémir

فكم سيكلف العمل بنظام جديد للترقية والحوافز وشبكة أرقام استدلالية جديدة والإلغاء التام للنظام القائم والمتهالك مقارنة مع تكفلة التوترات الحالية وتشنج العلاقات الإنسانية داخل الإدارة ؟ "  فأداء إدارتنا غير مرض" والوضعية الراهنة لا يجب أن تبقى على ما هي عليها  ، ختاما، من يمتلك السلطة يتحكم في وقت الآخرين .

 

الاخبار العاجلة