في الرحبا كلشي يتباع و يتشرا

آخر تحديث :
في الرحبا كلشي يتباع و يتشرا
اشقندي مراد

 

بقلم :مراد اشقندي – خنيفرة –  المغرب

مع اقتراب عيد الأضحى، تنشأ على هوامش المدن و القرى أسواق للمواشي تبعث حياة و أجواء  جديدة ، موازية لتلك التي اعتادها الناس وألفوها ، ليس منا من لم يعايش تلك الأجواء و يزر هاته الأسواق، و لو بعدم غرض اقتناء الأضحية، بل ربما لاكتشاف حال الأسعار التي تختلف من يوم لآخر و من لحظة لأخرى ، و محاولة اقتناص الفرصة المناسبة  للظفر بأضحية سمينة بثمن معقول، وكنت في كل مرة و أنا أتجول في هاته الأسواق، أرى أناس تدفع المال و آخرون يقبضونه، أستغرب تعايش هاته المشاعر المتناقضة بين الربح و الخسارة و التذمر و الفرح في نفس الفضاء، فرح من سيبيع منتوجه و يعود بالمال لمنزله، و تذمر من سيدفع ما اذخره أو ما اقترضه لشراء أضحية قد تجلب المشاكل بالبيت أكثر من الفرحة، خصوصا ( يلا معمراتش العين لمالين الدار و الجيران).

السوق أو الرحبة  مرآة كبيرة تعكس الفوارق الاجتماعية في المجتمع،  في السوق تجد تقسيمات للأماكن كتقسيمات الأحياء إلى فيلات و دور للصفيح، فهذا مكان الأكباش الكبيرة و ذاك مكان النعاج و مكان الخرفان الصغيرة، تتوزع الأغنام في هاته الرقعة  حسب ثمنها و حجمها و تتوزع خلفها الناس حسب ما حملت جيوبها و حسب مستوياتها الإجتماعية، لكن  في مكان الجديان و المعز تجد كل الطبقات فالمرض لا يستتثني أحدا و لحم المعز لا ضرر فيه لمرضى السكري و ازدياد الكولستيرول كما تزعم وسائل الاعلام و حملات التوعية الصحية، في الرحبة كما في خارجها، تجد أماكن للبؤس و أخرى للفرح و السعادة، في رحبة الأغنام لا يكمنك تخطي الفوارق الإجتماعية و لا يمكنها أن تذوب و لو في العيد،  عيد مقصده الأول قبل التضحية بكبش كبير، دعوة إلى التآزر و التراحم والتضحية  بالكبرياء  و التخلي على بعض من النفاق الاجتماعي، في مجتمع استهلاكي و لو كان متدينا، تفقد العبادات غايتها و لو في رمزيتها، قليل من يستحضر و هو يساوم كبشا كبيرا، أنه سيضحي به لله احياء لسنة سيدنا ابراهيم،  في حين جل الناس يستحضرون ماذا سيقول الأقارب و الجيران عن حجم أضحيتهم، وهمهم الكبير الحفاظ على تصنيف ا جتماعي معين أو ربما محاولة تحسينه اذا سمحت ظروفهم المادية هذه السنة، سوق الأغنام تصبح في هذه المناسبات برصة لتضارب البؤس و الترف.

هذه السنة  فكرت في اكتشاف جانب يروقني أكثر في هاته الأجواء ، إنها المقاهي الشعبية التي تقام على هوامش الرحبة، حيث تُقدم المأكولات الخفيفة و براريد الشاي، جلسلت بإحداها بعد جولة قصيرة في السوق، بعد جلوسي بلحظات قليلة، حضرت صاحبة المقهى  و هي امرأة في الثلاثينات من عمرها لم يمح الزمن إلا القليل من جمالها الطبيعي الفتان الذي لا يمكن أن تخطأه العين، وأنت تسترق النظر إليها بين الفينة و الأخرى تتيه مشاعرك بين الإعجاب بأطلال جمال بائس، و بين الشفة على حالها و نصيبها من هذه الدنيا، طلبت منها احضار براد شاي و قليلا من الحرشة فلم أتناول وجبة فطوري بعد، كان جو المقهى البسيط كفيل بفتح شهيتك للأكل ، بعد انتهائي ، أخرجت سيجارة و طلبت من الشابة قهوة،  أشارت إلى إبريق كبير أسود  على مجمر من الفحم ، و أضافت أن هاته هي القهوة المتوفرة لديها، قهوة تقليدية ليست كتلك بالمقاهي العصرية، أكدْتُ لها أن ذلك ما أريد …، كانت رائحتها زكية تفوح مختلطة بنكهات الأعشاب من إكليل الجبل و الزنجبيل و القرفة، تضفي على المكان هدوء و كآبة تغريك بالنوم، قبل احضار القهوة طلبت “رقية” من أحد الأشخاص بالجوار تنظيف طاولتي البسيطة،  كانت تدرك أن جو الانتشاء بقهوة و سيجارة مخالف لجو الأكل و لو في مكان كهذا، أثارني مظهر الرجل و هو ينظف بقايا الحرشة، كان  في الأربعينيات من عمره يرتدي جلد خروف بصوف كثيف “بطانة”  يربطه حوله ببعض الحبال ، لم أعقب، و بعد برهة أحضر لي القهوة في كأس عادي دون رغوة أو حامل فنجان، وضعها على الطاولة  و طلب مني سيجارة، أكدت له أني أتوفر على واحدة فقط و أعطيتها له بعد أن قررت أن لا حاجة لي بها، تولد لدي فضول غريب لمعرفة سبب ارتدائه لذلك الجلد المكسو بالصوف رغم حرارة الجو، سألته :”هل تعمل بهذا المقهى”  أجاب كلا فإني أساعد الأخت “رقية”  مقابل و جبة خفيفة أو كأس شاي، دعوته لارتشاف كأس قهوة سويا،  فوافق و اقترح علي أن أطلبه بنفسي من  رقية فلو فعل هو فلن ترضى أخذ ثمنه،  و هو لا يريد أن يُثقل بطلبياته على هاته الشابة، التي أوضح لي أنها أرملة تحمل حملا ثقيلا في التكفل بثلاث أطفال يتامى بعد أن فقدت زوجها اثر مرض خبيث لم تتوفر لهما امكانيات علاجه، قلت له أطلبها بنفسك و سأدفع ثمنها، بصوت مرتفع و بلغة أمازيغية  تحدث إلى رقية بما معناه : ” عمري آختي رقية شي كاس د القهوة على حساب هاد الشريف الله يخلف عليه”  قال لي بعدها :” راه تعطيني مسكينة بلا فلوس و لكن تنحشم نطلب منها ، حتى هي  راه غير تتقاتل مع الزمان” ذهب لاحضار كأسه ثم جلس بخفية و نشاط و ملامحه تعلن استعداده لأي خدمة قد أطلبها منه معتبرا أنه قبض الثمن مسبقا.

سألته: “لماذا تضع جلد خروف (بطانة) فوق ظهرك و تربطه هكذا بتلك الحبال مع أن الجو حار، ألا يضايقك؟”، رد علي من خلف تنهيدة عميقة عمق البؤس الذي يسكنه: “الزمان و ضيق العيش من  يضايقني أما (هاد البطانة راه هي باش عايشين)”، كيفاش مفهمتش، “هذا الجلد العفن ألبسه عندما يحين وقته ، ألا ترى أنه موسم بيع و شراء (الحوالة )”، رمقته بنظرة تؤكد ترددي في فهم  قصده، و أني لا أريد أن أفهم أنه مستعد لبيع نفسه كهذه الخراف من حولنا، اردف قائلا:  “انا أنتظر من يساومني ففي (موسم الحوالا خاصك تكون حولي يلا بغيتي تعيش)، أنا للأسف لم أجد إلا جلد نعجة، لكن لا بأس  لن يلاحظ أحد الفرق، و حسب أسعار باقي الخراف  سأعرف كم سأطلب” ، “تقصد أنك ستبيع نفسك، لمن يدفع الثمن … ؟”، بدا لي أنه انسان غير عادي و أن فيه لمسة من الجنون الذي أصبح يقصدني بعد أن كنت أبحث عنه، رغبت في مزيد من الحديث معه، فربما يرمي إلى شيء لا أفهمه ، قلت له : “الأكباش من تُباع و تُشترى لتذبح و يضحى بها تقربا لله، هل سترضى بنفسك أن تذبح و يضحى بك؟؟”  اردفت كلامي بابتسامة تدل على أني لا أتكلم جديا كي لا أجرح مشاعره الآدمية، لكن ابتسامتي لم تزد كلامه إلا جدية أكثر، “بالطبع اأنا كذلك سيضحى بي للتقرب من الكراسي و المناصب، و سأُذبح بدل المرة ألف مرة  طيلة خمس سنوات، إلى أن يأتي موسم بيع الحوالا من جديد و سأدخل السوق و أرتدي بطانة أخرى قد تكون لكبش هاته المرة و ليس لنعجة و قد يرتفع ثمني في الموسم المقبل” ، استغربت: ” كيف ترضى  لنفسك هذا”… “لست الوحيد من يرضى لنفسه هذا، لو تفقدت أحوال السوق لوجدت عددا كبير مثلي، لكن الفرق أنهم لا يعلنون أنهم للبيع، على الأقل أنا صريح مع نفسي، فمثلا من يسمون أنفسهم من أهل الاحسان و يشترون للناس أضحيات على الملأ دون تستر ، انما يشترون هؤلاء الناس و يسلبونهم آدميتهم بدم بارد مستغلين بؤسهم و حاجتهم، أنا لبست جلد نعجة لصون كرامتي كإنسان و اخفاءها وسط هذا الجلد عن تجار البشر، حينها على الأقل سيساومونني على البؤس المعلن فوق الجلد و لن يصلوا لآدميتي المختبئة و سط عفونته” ،  انتبهت إلى بطاقة معلقة على  أذنه اليسرى، سألته ما هذا؟ ، قال :” إنه ضمان للمشتري على أني صالح للذبح و التضحية، كتلك الصفائح المعلقة بالأغنام.” فطنت إلى قصده كما فطن هو إلى تأثري من موقفه و عدم اقتناعي به، فوقف في اشارة للانصراف بعد أن أدرك تذمري من منطقه، و قال:” لا تقلق  يا أستاذ،  يلا عمرات الرحبة كلشي يتباع و يتشرا فهاد البلاد” ، قلت له: “اذا كنت مقتنعا بمنطقك هذا، على الأقل ضع تلك البطاقة بالجهة اليمنى قد يساومك أحدهم “، تبسم و قال :”كل من امتهن تجارة البشر يساوم على بؤسهم، أصحاب اليسار كما اليمين، و لا تنسى أهل الاحسان كذلك…”

الاخبار العاجلة